كتب تامر أبو عرب عن مشهد مأساوي تحرك في مياه البحر المتوسط قبالة سواحل مطروح، حيث حمل قارب صغير أجساد شباب ابتلعهم طريق الهجرة غير النظامية قبل أن يبتلعهم البحر نفسه. ولم تتوقف المأساة عند لحظة الموت، بل امتدت إلى الأسئلة الثقيلة التي تسبقها؛ كيف يصل شاب إلى مرحلة يرى فيها الأمواج أقل رعبًا من الحياة على اليابسة؟


وأشار تقرير نشرته المنصة إلى أن حادثة قارب مطروح لا تمثل مجرد كارثة بحرية جديدة، بل تكشف أزمة اجتماعية واقتصادية أعمق ترتبط بتزايد مشاعر الإحباط بين قطاعات واسعة من الشباب المصري والعربي، في ظل ظروف معيشية تدفع البعض إلى اعتبار الهجرة آخر فرصة متاحة للنجاة.


حين يصبح البحر أقل قسوة من الواقع


لم تعد الهجرة غير النظامية مغامرة شبابية تحمل وعودًا براقة كما كان الحال في السابق. بات الشاب الذي يستقل قاربًا نحو أوروبا يدرك جيدًا حجم المخاطر التي تنتظره. يعرف قصص الغرق، ويرى صور الجثث التي يلفظها البحر، ويتابع روايات الناجين الذين عاشوا تجارب قاسية خلال رحلات الهروب.


ولا يتوقف الأمر عند معرفة أخطار البحر فقط، بل يمتد إلى إدراك حقيقة الواقع الأوروبي نفسه. فقد تراجعت فرص العمل في كثير من الدول، وتشددت قوانين اللجوء، وارتفعت أصوات اليمين المتطرف والخطابات المعادية للمهاجرين. ومع ذلك يواصل كثيرون الرحلة لأن الخوف من البقاء صار أشد من الخوف من الغرق.


ولا يسعى هؤلاء الشباب وراء الثراء السريع أو حياة مترفة، بل يطمحون إلى حياة عادية تتضمن عملاً مستقراً وسكناً مناسباً وقدرة على بناء أسرة ومستقبل واضح. لكن اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة جعل حتى هذه الأحلام البسيطة تبدو بعيدة المنال.


تجارة تستثمر في اليأس


تستغل شبكات تهريب البشر هذه الحالة من الإحباط وتحوّلها إلى تجارة تحقق أرباحًا ضخمة. فلا تبيع تلك الشبكات رحلة بحرية فقط، بل تبيع الأمل نفسه. ويبيع بعض الشباب ممتلكات أسرهم أو يستدينون مبالغ كبيرة لتغطية تكاليف السفر التي ارتفعت بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة.


وتكشف شهادات عديدة أن تكلفة الرحلة الواحدة قد تصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات، وهو رقم يفوق قدرة كثير من الأسر محدودة الدخل. ورغم ذلك لا تتوقف المحاولات لأن الأزمة لم تعد مرتبطة بالبطالة وحدها، بل ارتبطت بفقدان الثقة في المستقبل.


الحلول الأمنية لا تنهي الأزمة


نجحت مصر خلال السنوات الماضية في تقليص أعداد قوارب الهجرة التي تنطلق مباشرة من سواحلها بعد تشديد الرقابة وإقرار قوانين لمكافحة الهجرة غير النظامية، لكن الظاهرة لم تختفِ بل تغيرت طرقها ومساراتها. واتجه كثير من الشباب إلى طرق بديلة، خاصة عبر ليبيا التي أصبحت نقطة عبور رئيسية وأكثر خطورة.


كما ارتبطت بعض المحافظات بفكرة السفر بأي وسيلة ممكنة، حتى تحولت الهجرة في بعض البيئات إلى مشروع اقتصادي كامل تعتمد عليه أسر بأكملها. ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار السكن والغذاء والتعليم والرعاية الصحية، تتزايد مشاعر العجز بين الشباب.


وتحمل كل جثة يلفظها البحر قصة كاملة عن أم تنتظر وبيت مؤجل وحلم بسيط بالحياة. لذلك لا تمثل مأساة قارب مطروح حادثة عابرة، بل تعكس عمق أزمة تتجاوز حدود البحر لتصل إلى السؤال الأوسع: ماذا يحدث عندما يفقد الإنسان إيمانه بالمستقبل؟

 

https://manassa.news/en/stories/32012